الطبق نفسه وتاريخان للطهي

يقع وعاء كله باتشه داخل تاريخين مختلفين للطهي. في أحدهما هو فطور، الطبق الذي يُباع عند الفجر من محال تفتح قبل المخابز. وفي الآخر خرج الرأس من المطبخ كله، وخرجت معه طريقة طهيه. وذلك التاريخ الثاني حديث ومحلي أكثر منه طبيعياً: فمجموعة من التغيّرات الصناعية العادية سحبت الرؤوس والأقدام والكرشة من جزء من مطابخ العالم على مدى قرن ونصف تقريباً، وتركتها كما هي في بقيته. هذا هو ذلك التاريخ، وموضع كله باتشه منه.

حين خرج الذبح من المطبخ

في معظم تاريخ أكل اللحم، كان الحيوان يُذبح قريباً من مكان طهيه، وكان لا بدّ من استعمال الذبيحة كاملة، لأن الأجزاء الأسرع فساداً لا تحتمل الانتظار. والرؤوس والأقدام والأحشاء هي تلك الأجزاء بالضبط: لا أطباق فاخرة ولا طرائف، بل الطعام الذي يجب طهيه في اليوم نفسه.

وخلال القرن التاسع عشر، نقلت المدن الأوروبية والأمريكية الذبح إلى مسالخ عامة كبيرة على أطراف المدينة، بعيداً عن الشوارع التي يتسوّق فيها الناس. وأتاحت السكك الحديدية ثم السفن المبرّدة أن ينتقل اللحم أنصافاً مبرّدة وقطعاً معبّأة بدل أن ينتقل حيواناً حيّاً. والأجزاء الأسوأ احتمالاً للسفر خرجت من تلك التجارة البعيدة أولاً. توقّفت سلسلة التوريد ببساطة عن حملها، وتوقّف الطهاة عن رؤيتها.

الصينية هي التي قرّرت القائمة

ومنذ منتصف القرن العشرين، صار اللحم في كثير من أوروبا وأمريكا الشمالية يُباع مقطّعاً ومغلّفاً مسبقاً ومسعّراً بالوزن، بحيث تبدو كل عبوة من منتج واحد مثل سائر العبوات. والرأس لا يتّسع في صينية، ولا يمكن تقسيمه إلى وحدات متطابقة، ويطلب من المتسوّق أن يعرف شيئاً. وكل ما خرج عن تلك الأشكال القليلة المألوفة لم يعد يبدو طعاماً.

التقنين والسنوات التي تلته

ودفعت الحرب في الاتجاه نفسه. ففي ظل التقنين البريطاني زمن الحرب، تُركت الأحشاء إلى حد بعيد خارج البطاقة التموينية، فبقيت متوفّرة حين لم تكن الشرائح والقطع الفاخرة كذلك، وهذا ربطها، لدى الجيل الذي عاش تلك السنوات، بالحرمان. وانتهى التقنين في منتصف الخمسينيات، وصارت القطعة الفاخرة هي صورة الرخاء في الصحن. وظلّت الرؤوس والأقدام طعاماً جيداً وظلّت رخيصة، لكن الرخص كان قد اكتسب معنى.

الفصول التي اختفت بهدوء

يمكن تتبّع التغيّر على رفّ من كتب الطبخ. فكتب تدبير المنزل في القرن التاسع عشر، وأشهرها الإنكليزي كتاب إيزابيلا بيتون، وضعت إرشادات الرؤوس والأقدام والكرشة والأدمغة إلى جانب المشويات، بوصفها معرفة منزلية عادية. ودليل إسكوفييه المهني الصادر سنة 1903 يفرد للأجزاء نفسها قسماً جاداً خاصاً بها. أما خلفاؤها في منتصف القرن فقد خفّفوا تلك الصفحات ثم أسقطوها. وطبعتان أو ثلاث تكفي: فحين يختفي الفصل يتوقّف تعليم التقنية.

وجاء الانعطاف العكسي في التسعينيات، حين جادل بعض الطهاة بأن استعمال الحيوان كاملاً طبخ أفضل ومنطق أفضل. ومطعم فيرغوس هندرسون في لندن وكتابه «الأكل من الأنف إلى الذيل» أعطيا الفكرة اسماً ثبت. وهو في تلك المطابخ إحياء، لأن شيئاً كان قد فُقد.

تقليد لا فجوة فيه لتُردم

لم يفقد كله باتشه الخيط يوماً. ففي إيران احتفظ بمحاله الخاصة وبساعته الخاصة وباسمه الخاص: رأس الخروف وأقدامه، يُطهى نحو أربع عشرة ساعة ويؤكل تقليدياً عند الفجر، مع خبز سنغك والطرشي والليمون والبصل والفلفل الأخضر على الطاولة. والاستمرار نفسه يسري في المطابخ التركية والعربية والمغاربية والمكسيكية والإيطالية، حيث لم تُترك أطباق الحيوان الكامل يوماً فلم تحتج إلى عودة. وقد سُلّم الطهي الطويل من طاهٍ إلى طاهٍ دون انقطاع.

وللجانب العملي بدل التاريخ، يمرّ دليل المبتدئين عندنا على الطاولة، وتُدرج القائمة الأجزاء مفردةً، العين والدماغ واللحم واللسان والأقدام والكرشة وخدّ الخروف وشوربة الدماغ والشوربة والخلطة الخاصة، إلى جانب أطباق بحجم شخص وشخصين وثلاثة وستة. وفي شون ذا شيب في جميرا يعمل المطبخ أربعاً وعشرين ساعة في اليوم، للتناول في المكان وللتوصيل في أنحاء دبي. والطلبات عبر الموقع بالبطاقة مسبقة الدفع فقط، والتوصيل مجاني فوق 300 درهم، ويمكن تحديد وقت مستقبلي مسبقاً للقاء له ساعة محددة. والهاتف 04 321 8882.