ما الذي يطفو فوق الوجه فعلاً
ضع صحن كله باجه أمام أحدهم، وأول ما يظهر فيه ليس اللحم بل الطبقة على السطح: ذهبية، تكون أحياناً غشاءً واحداً، وتتفتت أحياناً إلى دوائر صغيرة تنزلق عند إمالة الصحن. هذه الطبقة دهن مُذاب، وهي تخرج من اللحم ببطء على امتداد الطهي كله.
رأس الخروف والأقدام ليسا دهنيين كما هو الكتف. الدهن يجلس في مواضع بعينها: خط رفيع تحت جلد الخد، والنسيج اللين حول الفك وقاعدة الجمجمة، ووسادات الأقدام، والنخاع داخل العظام. وهو في البرد جامد ومستقر في مكانه. أبقِه في الماء على نار هادئة ساعات فيلين ويذوب وينزلق خارجاً ويصعد. ونحو أربع عشرة ساعة مدة تكفي لخروج معظمه، وهذا أحد أسباب كون الطهي الطويل قاعدة لا شيئاً يُختصر — وهو المنطق البطيء الذي وراء كيف تُطهى كله باجه.
لماذا ينفصل ويستقر فوق المرق
الدهن المذاب والماء لا يذوب أحدهما في الآخر، والدهن الدافئ أخف من المرق الذي حوله. اتركه ساكناً دقيقة فترتفع القطرات وتلتقي وتتحد في قطرات أكبر منها حتى تمتد غشاءً متصلاً على الوجه.
الغليان القوي يدفع الدهن في السائل على هيئة قطرات دقيقة، فيصير المرق عكراً ويبقى عكراً عادةً؛ أما الغليان الهادئ فيترك القطرات تتجمع في الأعلى ويترك المرق تحتها صافياً. ولهذا يُبقى القدر عادةً تحت درجة الغليان بقليل.
الدهن ليس هو الجيلاتين
القدر يصنع شيئين دسمين في وقت واحد، ويسهل الخلط بينهما. فالرأس والأقدام تحمل كمية كبيرة من الكولاجين: في الجلد، والأوتار، والنسيج الضام في المفاصل. والحرارة الرطبة الطويلة تحوّل الكولاجين إلى جيلاتين يذوب في الماء نفسه. أما الدهن فلا يذوب في الماء أبداً؛ بل يطفو.
فالصحن إذن يحمل مادتين لا مادة واحدة. الجيلاتين غير مرئي ما دام كل شيء ساخناً — تحسّه ولا تراه، ثِقلاً في الملعقة ولزوجة خفيفة على الشفتين. أما الدهن فتراه بعينك. برّد الصحن يتضح الفرق: الجيلاتين يشدّ المرق كله إلى هلام لين، بينما يتماسك الدهن وحده في قبعة شاحبة في الأعلى. وإن كان مذاق الطبقتين هو ما تريده، فإن مذاق كله باجه يغطي ذلك.
كيف تحمل هذه الطبقة الرائحة
ينتقل كثير من رائحة كله باجه في هذه الطبقة. ذلك أن كثيراً من مركبات الرائحة تذوب في الدهن أسهل مما تذوب في الماء، فالدهن يجمعها ويحتفظ بها وهو يذوب، ثم يطلقها السطح الساخن في البخار. لهذا تصلك الرائحة قبل الملعقة الأولى، ولهذا فإن صحناً كُشط سطحه تماماً تكون رائحته أهدأ عادةً من صحن تُرك وحده.
المائدة مبنية لتعمل ضد هذه الطبقة
لا شيء من المرافقات التقليدية زينة. يُعصر الليمون فوق الصحن لأن الحموضة تقطع الغلالة التي يتركها الدهن على اللسان، فتصير الملعقة التالية بمذاق الأولى من جديد. والطرشي يؤدي العمل نفسه بقوة أكبر، لأن الخل والملح يصلان معاً. والبصل النيّئ حادّ ومائل إلى المرارة، فيعيد ضبط الفم بين لقمة وأخرى؛ والفلفل الأخضر يضيف حرارة تعمل على المنوال نفسه.
وخبز السنكك أداة بقدر ما هو طعام. فهو يُمزّق ولا يُقطع، والحافة الممزّقة إن سُحبت على الوجه رفعت الغشاء عن المرق. وتشغيل الخبز والليمون والطرشي معاً هو معظم الأسلوب الموصوف في كيف تأكل كله باجه لأول مرة.
القبعة البيضاء في العلبة الباردة
كله باجه التي بردت في الثلاجة تعرض الحكاية كلها في مقطع واحد: قبعة شاحبة متماسكة معتمة في الأعلى، وتحتها مرق شدّ إلى هلام يهتزّ. القبعة هي الدهن وقد جمد ثانية على برودة الثلاجة، والهلام هو الجيلاتين. وكلاهما علامة قدر طال على النار، لا علامة على خلل.
سخّنها برفق فيعود كل شيء إلى ما كان. حرّك القبعة فيها وهي تذوب فيكون الصحن في أقصى دسامته؛ ارفعها أولاً بالملعقة فيكون الصحن أخف والمذاق أنظف. والدهن عالي الطاقة، والمرق المبني على هذا النحو طعام دسم عموماً، فمقدار ما تبقيه من القبعة مسألة تفضيل؛ ومن لديه احتياجات غذائية خاصة فليتبع إرشاد طبيبه. والأصناف المفردة في القائمة — العين والمخ واللحم واللسان والأقدام والكرشة وخدّ الخروف وشوربة المخ والشوربة والخلطة الخاصة (معجون) — تخرج كلها من القدر نفسه، فالطبقة تظهر على كل واحد منها بصورة ما.