طبقان وفكرة عنيدة واحدة

إن سبق لك أن جلست إلى مائدة في يناير تشرح لصديق متردد أن الهاغيس ليس سوى أحشاء خروف مع دقيق الشوفان، وأنه لذيذ فعلاً، فأنت تعرف مسبقاً النقاش الذي أخوضه حول كله باتشه منذ سنوات. بلدان تفصل بينهما مسافة طويلة وصلا إلى النتيجة نفسها: الأجزاء التي يرميها مطبخ غير مبالٍ هي الأجزاء التي يستحق أن يُبنى عليها تقليد. اسكتلندا فرمتها وربطتها بالشوفان، وإيران وضعتها في الماء وتركتها هناك حتى الصباح.

أطبخ كله باتشه في جميرا، وأقرب قارئ إلى فهم هذا الطبق ليس المغامر في الطعام، بل من سبق له أن دافع عن الهاغيس أمام الآخرين.

ما هو كل منهما في الحقيقة

الهاغيس أحشاء خروف — القلب والكبد والرئة — تُفرم ناعماً مع دقيق الشوفان والبصل وكمية وافرة من الفلفل الأسود، ثم تُطهى ببطء طويل حتى تصير عميقة المذاق متفتتة القوام. يُقدَّم ساخناً إلى جانب البطاطس المهروسة واللفت المهروس، ويؤكل كعشاء كامل: شيء تقطعه وترفعه بالشوكة وتمضغه.

وكله باتشه رأس الخروف وأقدامه، يُنظَّف بصبر حقيقي ويُطهى على نار هادئة نحو أربع عشرة ساعة مع البصل وقليل من القرفة والكركم، حتى يفارق اللحم العظم من تلقاء نفسه ويصير المرق عكراً يلتصق قليلاً بالشفة. وما يصل إلى المائدة ليس شريحة من أي شيء: وعاء واسع فيه المرق والقطع، وإلى جانبه رغيف سنكك. والطريقة مشروحة في كيف يُطهى كله باتشه، لكن الأربع عشرة ساعة هي السر.

سائل مقابل صلب، وفجر مقابل عشاء

القوام هو الفارق الأول، وهو الذي يحسم ما عداه. الهاغيس جاف متفتت يحتفظ بشكله في الصحن. وكله باتشه سائل في قلبه: تمزّق الخبز بدل أن تقطع اللحم، وتغمس، وتسكب المرق فوق القطع، ويُشرب جزء كبير من الوجبة بدل أن يُؤكل.

والفارق الثاني هو الساعة. الهاغيس طبق مساء ومحور عشاء شتوي، وكله باتشه طعام فجر يؤكل في إيران تقليدياً قبل شروق الشمس. ونحن هنا في دبي نطبخ على مدار الساعة، فبقي وعاء ما قبل الفجر كما هو.

فلسفتان في التتبيل

الهاغيس يُتبَّل من الداخل: الفلفل والبصل والشوفان كلها في الخليط قبل أن يقترب من النار، وحين يصلك تكون التوابل قد استقرت — طبق حسم قراره سلفاً. وكله باتشه يُتبَّل من الخارج، في اللحظة الأخيرة، وبيد من يأكله. القدر نفسه متحفظ، قرفة وكركم ولا شيء أكثر، لأن أربع عشرة ساعة تعاقب كل نكهة عالية. أما الحدّة فتأتي على المائدة: ليمون يُعصر بقوة في الوعاء، وبصل نيّئ، وفلفل أخضر يُقضم بين اللقمات، ومخلل يقطع الدسم. وقد وصفت طعمه بتفصيل أكبر في مقال آخر.

الطقوس، ولماذا يحتاجها الطبقان

ليلة بيرنز أعلى دفاع أُقيم يوماً عن طبق أحشاء: الهاغيس يُحمل إلى القاعة، ويُلقى فوقه نص شعري، ويُخاطَب مباشرة قبل أن يُسمح لأحد بتقطيعه. بلد يصرّ على أن طبق البيوت الفقيرة يستحق مناسبة.

ولكله باتشه طقوسه أيضاً، أهدأ وأقدم. الساعة نفسها هي الطقس. الخبز يُمزَّق باليد لا بالسكين، والليمون يُقطع أمامك، وهدوء ساعة تسبق استيقاظ المدينة، ووعاء أسخن من أن يُستعجَل. وفي إيران تكون نسخة صباح الجمعة أطول وأعلى صوتاً، وجبة عائلية.

من يدافع عن الهاغيس يستطيع الدفاع عن هذا

التقاطع الصادق بينهما هو اقتصاد البيت وقد تحوّل إلى مناسبة. الطبقان خرجا من بيوت لم يكن في وسعها أن تهدر خروفاً، وبقي الاثنان بعد أن زالت تلك الحاجة لأن الناس أحبوهما لذاتهما. ويحمل الاثنان سمعة عند الغرباء لا يستحقانها: من يأكل الهاغيس دون أن يعرف اسمه يجده لحماً مفروماً مالحاً بالفلفل، ومن يأكل كله باتشه يجد مرق ضأن عميقاً نظيفاً كثيفاً.

ابدأ كما تبدأ مع صديق متردد أمام الهاغيس: من الطرف اللطيف. شوربة المخ والشوربة العادية هادئتان، واللسان وخد الخروف مجرد لحم مطهو ببطء وبإتقان، والأقدام للقوام، والمجون — وهو الخلطة الخاصة — هو الحجّة كاملة في وعاء واحد. ويستحق طلب المرة الأولى أن تقرأه أولاً، والأطباق المفردة والجماعية — طبق فردي لشخص، ومزدوج لشخصين، والطبق الكامل لثلاثة، وطبق الخان لستة — كلها في القائمة. نحن مفتوحون على مدار الساعة للتناول في المطعم وللتوصيل في أنحاء دبي، والطلب المسبق لوقت لاحق متاح، والدفع على الموقع بالبطاقة مقدماً فقط، والتوصيل مجاني فوق 300 درهم. والهاتف 04 321 8882.