خزانة التوابل الفارسية التي يتجاوزها كله باجه

يسافر المطبخ الفارسي إلى الخارج محمولاً على عطوره: الزعفران المنقوع في ملعقة ماء ساخن ثم المسكوب على الأرز، وماء الورد في الحلويات، وحبات الزرشك المنثورة حمراء فوق كومة الأرز الأبيض، واللومي المتقلب في قدر قورمه سبزي. وإذا وضعت تلك الخزانة إلى جانب ما يدخل فعلاً في كله باجه فقد يبدو أن شيئاً سقط من القائمة. لم يسقط شيء. فكله باجه ينتمي إلى فرع أقدم وأبسط من المطبخ نفسه، تقليد قوامه الماء ولحم الخروف، يُتبَّل على المائدة لا يُعطَّر في القدر.

ماء ولحم خروف وأربع عشرة ساعة تقريباً

الطريقة تكاد تخجل من بساطتها حين تُكتب: رأس الخروف والأكارع، منظفة ومفروكة بعناية، مغمورة بالماء، ومتروكة على غليان خافت لا يكاد يُرى نحو أربع عشرة ساعة. بصلة. قليل من الكركم. ملح يُضاف متأخراً. هذا قريب من كل شيء، وطريقة إدارة القدر أهم بكثير من أي شيء يمكن أن تضيفه إليه.

الطهي الطويل هو التتبيل. الرأس والأكارع في معظمها جلد وأوتار وغضاريف وعظم، أي نسيج ضام يبقى مطاطياً بعد أربع ساعات ويصير طرياً بعد أربع عشرة. يتحول الكولاجين إلى جيلاتين فيثخن المرق دون طحين ولا كريمة. ويطلق العظم واللحم البطيء الطهي مركبات لذيذة من تلقاء نفسه، ولهذا فإن قدراً لا يكاد يحوي بهاراً يظل طعمه عميقاً. وإضافة الزعفران إليه أشبه برش العطر على نار حطب.

ما الذي تفعله فعلاً تلك الروائح القليلة

بصل وثوم ورشة كركم، وأحياناً عود قرفة أو ورقة غار. هذه ليست نكهة بالمعنى الذي يكون فيه الزعفران نكهة، بل هي مصححات. فالرأس والأكارع رائحتهما قوية إن عوملا باستهانة، لذلك يُقدَّم الجهد إلى البداية: نقع طويل، وفرك شديد، وغلية أولى يُرمى ماؤها كله، ثم ماء جديد مع البصل والكركم. والكركم بهذه الكمية لا يضيف رائحة تُذكر، إنما يهذب الحدة ويدفئ اللون. والقرفة، إن استعملها الطباخ، همسة لا تصريح. وما تبقى طرح لا جمع: تُرفع الرغوة مبكراً ويُرفع الدهن لاحقاً، لأن المرق النظيف هو المقصود.

يُتبَّل على المائدة لا في القدر

القدر ناقص التتبيل عن قصد، والإنهاء متروك لمن يأكل. فعصير الليمون المعصور في الصحن مباشرة يقطع الدهن. والطرشي يأتي بحدة الخل. والبصل النيئ والفلفل الأخضر يأتيان بالحرارة والقرمشة في مواجهة اللحم الطري. والملح والفلفل الأسود والقرفة في متناول اليد. أما السنكك، ذلك الرغيف الطويل المخبوز على حصى ساخن، فيُقطَّع ويُستعمل ملعقة وإسفنجة معاً، وحموضته الخفيفة جزء من التتبيل كذلك. ولهذا فإن ما ينتهي إليه طعم الصحن قرارك أنت جزئياً، وهذا لا يصح على طبق بالزعفران.

لماذا يكون الزعفران خطأً لا مجرد غائب

هناك سبب كيميائي وآخر ثقافي. رائحة الزعفران قائمة في مركبات طيارة تُستخرج برفق: تُطحن مع قليل من السكر، وتُنقع في ماء ساخن أو ثلج، وتُضاف قرب النهاية. وأربع عشرة ساعة فوق النار كفيلة بحمل معظم ذلك خارج القدر، وما ينجو منه يُسحق تحت الدهن والجيلاتين.

والسبب الثقافي لا يقل وزناً. في إيران ينتمي الزعفران إلى مقام الاحتفال: أرز الأعراس، والكباب مع الأرز، وشله زرد. أما كله باجه فينتمي إلى مقام الفجر والعمل، قطعة صعبة لا يرفع قيمتها إلا الوقت والعناية. يؤكل تقليدياً في الصباح الباكر، وقد حمل منذ زمن بعيد سمعة الوجبة المقوية، وهي فولكلور عن الطبق لا ادعاء صحي. وتعطيره يضعه في الدرج الخطأ.

إن كنت قادماً من جهة الزعفران

توقّع طعماً مالحاً نظيفاً لا معطراً، ودع المائدة تقوم بعملها: الليمون أولاً، ثم الطرشي، ثم عدِّل. الشوربات أوضح مكان للقاء المرق وحده؛ والأطباق المفردة، أي العين والدماغ واللسان والأكارع والكرشة وخد الخروف واللحم والخلطة الخاصة (معجون)، تتيح لك لقاء قوام واحد في كل مرة؛ والأطباق المشتركة، من الطبق الفردي إلى طبق الخان لستة أشخاص، تضع المدى كله على مائدة واحدة. كل ذلك في القائمة. نحن في جميرا، مفتوحون على مدار الساعة للتناول في المطعم وللتوصيل في أنحاء دبي، مع إمكانية الطلب المسبق لوقت تحدده؛ والموقع يقبل الدفع بالبطاقة مسبقاً فقط، والتوصيل مجاني لما يزيد على 300 درهم.