لماذا يقف لحم الضأن في قلب المطبخ الفارسي؟
الجواب في الأرض نفسها. إيران هضبة مرتفعة جافة تحيط بها سلسلتا زاغروس والبرز، ويتوسّطها صحراوان ملحيّتان هائلتان. معظم هذه المساحة لا يناله من المطر إلا القليل، ولا يصلح منها للزراعة بغير ريّ إلا جزء صغير. لكنّ فيها، بكمية تكاد لا تنفد، مراعي خشنة: عشب رفيع، وشوك، وبقايا حصاد واقفة في الحقول، وسفوح جبلية لا يبلغها محراث. لا شيء من ذلك طعامٌ لإنسان، أما الخروف فيحوّله كلّه إلى حليب ودهن وصوف ولحم. هذه العملية وحدها تفسّر لماذا استقرّ لحم الضأن في قلب المطبخ الفارسي وبقي لحم البقر على أطرافه طوال معظم التاريخ.
والعلاقة قديمة إلى حدّ بعيد؛ فسفوح زاغروس من أوائل المواضع التي استُؤنس فيها الغنم قبل نحو عشرة آلاف سنة. أي أنّ صلة الإيرانيين بالخروف ليست ذوقاً نشأ إلى جانب المطبخ، بل هي أقدم من المطبخ نفسه، وأقدم من المدن ومن الشعر؛ فالطبخ هو الذي تشكّل حول حيوان كان قائماً هناك قبله.
ولم يرسم الرعي المائدة وحدها، بل رسم التقويم أيضاً. فعشائر مثل البختياري والقشقائي أمضت قروناً تنقل قطعانها مرتين في العام بين «القشلاق»، مرعى الشتاء الدافئ، و«الييلاق»، مرعى الصيف في أعالي الجبال؛ مسيرة مئات الكيلومترات على الأقدام، والبيت كلّه يمشي إلى جانب الغنم. ومطبخٌ يصنعه أهل ترحال يُبقي على ما يُحمَل ويحتمل الطريق: أعشاب مجففة، وكشك، ودهن مُذاب، ولحم مملّح محفوظ — ودابّة حيّة تمشي إلى المنزل التالي على قوائمها وتبقى طازجة إلى يوم الحاجة إليها.
ما الذي يستطيعه الخروف على الهضبة الإيرانية ولا تستطيعه البقرة؟
كلّ ما يهمّ تقريباً. والمقارنة هنا ليست في الطعم، بل في حسابات بلدٍ شحيح الماء.
| ما تطلبه الأرض | الخروف | البقرة |
|---|---|---|
| الماء | حاجته متواضعة، ويرعى بعيداً عن مجرى الماء | حاجتها كبيرة، ولا بدّ لها من ماء قريب دائم |
| المرعى | يزدهر على العشب الرفيع والشوك وبقايا الحصاد | تحتاج مرعى غنياً أو علفاً مزروعاً |
| التضاريس | يتسلّق الصخر والسفوح الحادّة والأرض الوعرة | تناسبها الأرض المستوية الخضراء وفيرة الماء |
| الترحال الموسمي | يمشي مئات الكيلومترات بين مرعى الشتاء ومرعى الصيف | لا تصلح للتنقّل السنوي الطويل |
| حجم البيت الواحد | حيوان واحد يكفي مجلساً كبيراً؛ حجمٌ يناسب مناسبة عائلية | لحم أكثر بكثير مما يستهلكه بيت واحد قبل التبريد |
| ما ينتجه غير اللحم | صوف، وحليب للّبن والكشك، ودهن ألية للطهي، وجلد وعظم وجيلاتين | حليب وجلد، وفائدة أقلّ بكثير لبيتٍ في حركة دائمة |
وثمّة تفصيل يستحقّ جملة مستقلة: كثير من أغنام إيران من السلالات ذوات الألية، تخزّن دهناً ثقيلاً عند أصل الذيل يُسمّى «دنبه». وقبل زيوت اليوم كان هذا الدهن المُذاب وسيط الطهي في معظم الهضبة، ولهذا تحمل أطباق فارسية كثيرة نكهة الضأن حتى حين لا يكاد يكون في القدر لحم؛ فالدهن هو الذي كان يقوم بالتتبيل.
لماذا يحضر الخروف في كل مناسبة عند الإيرانيين؟
في القول الفارسي أنّ الضيف حبيب الله، وللهضبة طريقة حرفية في إثبات ذلك. فذبح خروف أكبر إشارة يقدر عليها بيت عادي: تُطعم عشرات الناس، ولا تُفعل في صمت، ولا سبيل إلى التراجع عنها. وهذا بالضبط ما يمنحها معناها. فصار الخروف عملة اللحظات الكبرى: عرس، ومولود، وعودة مسافر بالسلامة، ونذر أُوفي، وانتقال إلى بيت جديد، وقبل ذلك كلّه طبخ النذور في عاشوراء حين تُطعَم أحياء بأكملها من قدور أُوقدت قبل الفجر بساعات.
وحتى حين لا تُذبح الذبيحة كلّها، يظلّ الخروف هو الفكرة المنظِّمة. فبضع قطع صغيرة تمنح «الخورشت» عمقه، وسيخٌ واحد هو قلب الكباب، وعظمة وحفنة حمّص تصنع «آبگوشت»، وهو الفلسفة في صورة مصغّرة: يُشرب المرق أولاً، ثم يُهرَس ما بقي ويؤكل ثانياً؛ وجبتان من قِدر واحد، ولا شيء يُرمى.
هل أكل الذبيحة كاملة علامة فقر أم علامة احترام؟
يقرؤها فقراً من لم يفكّر يوماً من أين يجيء اللحم. أما على الهضبة فالحساب مختلف: هذا الحيوان يعني سنةً من المرعى، وراعياً مشى خلفه، وماءً في بلدٍ لا يُبذَّر فيه الماء، وتعب بيتٍ بأكمله. أن تأخذ منه أطيب قطعة وترمي الباقي إهانةٌ لكل ذلك. وفي الفارسية كلمة ثقيلة لهذا: «الإسراف»، وهي ليست كلمة محايدة ولا حسابية؛ فالإسراف يُعامَل عيباً في الخُلُق لا خطأً في الميزانية.
ولذلك نال كلّ جزء اسمه وطريقته ومناسبته. العظم للمرق، والكوارع للجيلاتين، ودهن الألية وسيطاً للطهي، والكرشة تُنظَّف بصبر ساعات، والرأس يُطهى كاملاً. واللسان والمخ ولحم الخدّ لكلٍّ منها عاشقوه. والصوف يُغزل، والجلد يُدبغ، والعصب يُستعمل. والنتيجة ليست «مطبخ فقراء» بل معرفة متراكمة: أطباق تطلب وقتاً أطول ومهارة أعلى، وتُقدَّر أكثر من شواءٍ سريع.
وانظر أين استقرّت هذه الأجزاء اجتماعياً: المخ واللسان يُقدَّمان للضيف وللكبير وللطفل؛ أي لمن تريد إكرامه لا لمن تريد التخلّص منه. وهو المنطق نفسه الذي جعل لحم الخدّ في المطابخ الأوروبية الراقية قطعة ثمينة بعد أجيال من عدّه فَضلة. فالصعوبة زائد الوقت زائد المهارة تساوي مكانة، في كل مطبخ أخذ نفسه على محمل الجدّ.
كيف تولد كله باتشه من هذه الفلسفة؟
«كله» هو الرأس، و«باتشه» هي الأقدام، والطبق يُعرف عند أهل الخليج والعراق باسم «الباجة». إنها الفلسفة في أوضح صورها الحرفية: طبق كامل، له مفرداته وآدابه وساعته من النهار، مبنيّ كلّه من الأجزاء التي يرميها مطبخ مستهتر. وهو لا يُبنى إلا بالطريقة الوحيدة الممكنة لهذه الأجزاء: بالوقت. فالعظم والغضروف والجلد والأنسجة الرابطة لا تلين بالحرارة وحدها، بل تحتاج ساعات طويلة في ماء هادئ حتى تُطلق ما فيها من جيلاتين وكولاجين، فيصير الصلب شيئاً يُغرَف بالملعقة. ولهذا تُطهى كله باتشه طوال الليل وتُؤكل مع أول ضوء: الجدول الزمني كتبته المكوّنات لا الموضة. وقد كانت محال المرق القديمة في طهران تفتح حين يفتح الخبازون، لأن كليهما كان يعمل والمدينة نائمة.
وما نطبخه في مطعم شون ذا شيب على شارع جميرا طهرانيُّ الطريقة، ويتبع هذا الجدول بحذافيره. يُنظَّف كل شيء يدوياً قبل الفجر، ثم يُطهى نحو أربع عشرة ساعة في قِدر نحاسي مع البصل والكركم والثوم، وتُرفع الرغوة كل ساعة حتى يصير المرق بلون الشاي الغامق. النحاس لحرارة ثابتة متساوية، والبصل والكركم والثوم للعمق لا للحرارة — فالطبق ليس حارّاً. ورفع الرغوة قبل كل شيء، لأن الفرق بين مرقٍ صافي الطعم وآخر معكّر هو في معظمه ما تُزيله عن السطح، ساعةً بعد ساعة، حين لا يراك أحد.
كيف تبدو مائدة الذبيحة كاملة في دبي اليوم؟
كما تبدو في طهران تقريباً. تأتي الصواني الجماعية لشخص واحد أو شخصين أو ثلاثة أو ستة، فتتشارك المائدة بدل أن يملك كلٌّ صحنه. والأطباق الفردية تتيح لكل واحد أن يأخذ ما يحبّه فعلاً: المخ، واللسان، والكوارع، ولحم الخدّ، واللحم، والكرشة، وشوربة بالمخ، وشوربة سادة، أو الخلطة الخاصة. والمقبلات تحمل نصف الوجبة: خبز السنكك أو السنكك الخاص للتمزيق والغمس، والمخلل المشكّل، ومخلل الثوم المعتَّق سبع سنوات الذي اسودّ وحَلا بصبرٍ خاصّ به. والشاي طوال الوقت، والدوغ لمن نشأ عليه، والليمونادة للأطفال. كل ذلك موجود في صفحة القائمة والطلب، وإن فضّلت أن تأتي بالعائلة إلى شارع جميرا فيمكنك أن تحجز طاولة.
هل اللحم حلال؟ وهل يناسب هذا الطبق الجميع؟
نعم عن السؤال الأول: في الإمارات اللحوم حلال بحكم القانون والمعايير، ولحم الضأن الذي نقدّمه حلال. أما السؤال الثاني، فكله باتشه طبق دسم، والإيرانيون عاملوه دائماً بوصفه طعاماً مقوّياً لا وجبة يومية: يُؤكل على مهل، في الصباح، مع الخبز والليمون والشاي، لا على عجل. ونقول هذا بوصفه تقليداً طهوياً لا نصيحة طبية، ولا نقدّم أي ادعاءات أو وعود صحية. فإن كانت لديك حالة صحية أو تتابع أمراً معيناً في نظامك الغذائي، فتحدّث مع طبيبك. وإن كانت لديك حساسية غذائية، فتواصل مع المطعم مباشرةً قبل الطلب ونخبرك بالضبط بما في الطبق.
كيف أجرّبها في دبي؟
مطعم شون ذا شيب في ٦٤ شارع جميرا، جميرا ١، ويفتح ٢٤ ساعة طوال أيام الأسبوع. والتوصيل يشمل دبي مع رسوم تُختار حسب المنطقة عند الدفع، والاستلام وتناول الطعام في المكان متاحان دائماً. وإن كانت تجربتك الأولى، فأبقِها بسيطة: صينية صغيرة، وخبز سنكك، وكوب شاي، وابدأ بالمرق قبل أي شيء آخر. ففيه عشرة آلاف سنة من هضبة جافة، ذائبةً في كوب.