السؤال الذي تطرحه أول ملعقة

ملعقة كاملة من كله باتشه تطرح سؤالاً بديهياً: إن لم يكن هنا سوى القليل جداً من البهارات، فمن أين يأتي الطعم؟ وهو سؤال منطقي في دبي، حيث يصل لحم الخروف المطهو ببطء عادةً بصوت عالٍ: غارقاً في خلطة توابل، محمراً بالطماطم، يحمل خطاً من حرارة الفلفل الحار. كله باتشه يسير في الاتجاه المعاكس. القدر شبه خالٍ من التوابل عن قصد، وهذا الخلو هو التقنية نفسها. أربع عشرة ساعة من رأس الخروف وأقدامه تصنع الطعم، وكل ما عداه يبتعد عن الطريق.

القائمة القصيرة: ما يدخل القدر

مكتوبة على الورق، تتسع التوابل كلها لسطر واحد. بصل، كركم، قرفة، ثوم، وملح يُضاف متأخراً.

  • البصل، كاملاً أو مشقوقاً نصفين، من البداية. يهذّب الحدة المعدنية التي يطلقها العظم خلال طهو طويل، ويترك حلاوة خفيفة في الأسفل.
  • الكركم، ملعقة متواضعة تُضاف مبكراً كي يفقد نفَسه الترابي النيء. يحمل اللون الدافئ ويُسكت الطعم المعدني الذي قد ينشأ عن النخاع بعد ساعات طويلة.
  • القرفة، أعواداً لا مطحونة، وهي المكوّن الذي يبدو غريباً على القائمة. وجودها ليس ليعطي طعم القرفة؛ فبالمقدار الصحيح لا ينبغي أن تستطيع تسميتها. تقف خلف لحم الخروف وتمنع المرق من أن يصبح مسطحاً في الساعات الأخيرة.
  • الثوم، فصوصاً كاملة لا معجوناً، كي يذوب ببطء ولا يعلن عن نفسه.

لماذا يُضاف الملح متأخراً

قدر يُطهى على نار هادئة نحو أربع عشرة ساعة يفقد كمية كبيرة من الماء. إن ملّحته في البداية فأنت تتبّل حجماً لن يكون موجوداً عند الصباح: الملح يتركّز مع انخفاض المرق ولا سبيل للرجوع. والقوام مهم أيضاً. الملح المبكر يشدّ البروتينات ويبطئ خروج الجيلاتين من الأقدام والجلد، وهذا الجيلاتين هو ما يمنح المرق ثقله على الملعقة. لذلك ينتظر الملح، ثم يُضبط مرة واحدة في النهاية. ونشرح في مقال آخر كيف يُبنى القدر.

القائمة الطويلة: ما لا يدخل القدر أبداً

قائمة المستبعدات أطول بكثير من قائمة المكونات، وكل بند فيها قرار لا سهو.

  • الطماطم، طازجة أو معجوناً. الحموضة والسكر يندفعان إلى مقدمة الحاسة، كما أنها تعكّر مرقاً ينبغي أن يُقرأ لونه كالشاي الثقيل أمام الضوء.
  • حرارة الفلفل الحار. الحرارة إحساس لا نكهة، وهي تطمس الفروق بين الخد واللسان والأقدام التي وُجد الطبق لإظهارها.
  • الطحين والنشا والكريمة وأي مكثّف. القوام هنا من الكولاجين وحده، والمرق المكثّف طهو قصير يرتدي قناعاً.
  • معاجين الأعشاب والكزبرة والثوم. المعاجين الخضراء معتمة في النكهة كما في اللون، وتجلس فوق كل شيء.
  • خلطات الماسالا ومسحوق الكاري. ممتازة مع أطباق لحم الخروف الأخرى المطهوة ببطء هنا، وفي هذا القدر ستحصل على مرق متبّل جيد وتفقد كله باتشه بالكامل.
  • الزعفران وماء الورد. فارسيان بلا شك، لكن مكانهما الأرز والحلويات واليخنات.
  • الليمون أو الخل داخل القدر. للحموضة دور حقيقي هنا، لكن دورها يؤدَّى على المائدة.

ضبط النفس هو التقنية

أربع عشرة ساعة من الرأس والأقدام والنخاع والدهن الذائب ببطء تنتج نكهة عريضة هادئة عميقة يسهل دفنها. هي لا تتنافس على مقدمة الفم كما تفعل خلطة توابل، لذا فأي مكوّن صاخب يغطيها بدل أن يضيف إليها. والعمل في معظمه طرح لا جمع: أزل الرغوة بأمانة، وأبقِ النار عند حد يكاد السائل معه يرتجف، وقاوم الرغبة في إصلاح قدر هادئ بإضافة شيء إليه. وهناك وصف أطول لـما طعم كله باتشه فعلياً إن لم تكن قد جربته بعد.

التتبيل ينتقل إلى المائدة

لا يترك هذا الوعاء ناقص التتبيل، بل ينقل التتبيل ببساطة إلى المكان الذي يحكم عليه فيه من يأكل. الليمون يرفع كل شيء دفعة واحدة، والبصل النيء والفلفل الأخضر يمنحان قرمشة باردة حادة في مواجهة الدهن الدافئ، والطرشي يحمل حدة الخل التي رفضها القدر، وخبز السنكك أداة بقدر ما هو خبز، تمزقه وتغمسه وترفع به قطعة من الخد أو اللسان من المرق. ولأن كل جزء يؤكل بطريقته، العين والدماغ واللسان والخد والأقدام والكرشة واللحم، فإن التتبيل في المطبخ يكون قد اتخذ قراراً ليس من حق المطبخ اتخاذه. انظر إلى الأجزاء جنباً إلى جنب في القائمة، سواء تناولت الطعام في جميرا أو طلبت توصيله إلى أي مكان في دبي.