بماذا تفوح دبي قبل شروق الشمس؟
قبل أن تبدأ حركة السير، تفوح دبي برائحة صباحين مختلفين في آنٍ واحد. في أحدهما يتصاعد الهيل والزعفران من فوق الصاج الساخن، ويذوب السكر بين خيوط الشعيرية، ويُوضع إبريق الكرك على النار: تلك هي سفرة الفطور الإماراتية. وفي الآخر يتصاعد البخار من قِدرٍ نحاسي يعمل منذ ما قبل الفجر بوقتٍ طويل، حاملًا رائحة البصل والكركم والثوم إلى الشارع: ذلك هو كله باتشه الفارسي، أو ما يُعرف خليجيًا باسم «الباجة». نشأ الاثنان على ضفتين متقابلتين من الخليج نفسه، وفي جميرا لا يفصل بينهما سوى دقائق بالسيارة.
وهذه مقارنةٌ كُتبت بمحبةٍ صادقة للسفرتين معًا، لا مباراة بينهما. فلا واحدة منهما تسعى إلى هزيمة الأخرى؛ كلٌّ منهما جوابٌ على شروقٍ مختلف.
ماذا يوجد فعلًا على سفرة الفطور الإماراتية؟
أول ما يلاحظه القادم الجديد أن الحلو والمالح لا يُفصلان. البلاليط عنوان هذه الفكرة: شعيرية رفيعة محلّاة ومعطّرة بالزعفران والهيل وماء الورد، تعلوها عجّة رقيقة سادة. سكرٌ وبيض على الشوكة نفسها، وينجح الأمر بشكلٍ مدهش.
ومن حولها ثقافة صاجٍ كاملة. الچباب أقراصٌ رقيقة بالزعفران والهيل، مخرّمة الأطراف، تُؤكل بدبس التمر أو بالجبن الطري. والخمير خبزٌ مخمّر خفيف الحلاوة، كثيرًا ما يُشقّ ويُحشى بالقشطة والعسل أو التمر. أما الرقاق فرقيقٌ كالورق، يُخبز في ثوانٍ على الصاج ويُطوى على الجبن أو البيض أو خطٍّ من المهياوة، تلك الصلصة المخمّرة من السمك التي تمنح اللقمة ضربةً مالحةً عميقة. والدنقو، ويُسمّى النخي أيضًا، كوبٌ من الحمّص الساخن بالكمّون والملح، وهو أسهل فطورٍ يُحمل على هذا الساحل. ويجمع التمرُ والقهوة العربية والشاي الثقيل هذا كلَّه معًا.
منطق هذه السفرة هو الحرارة السريعة والتضاد. معظمها يلتقي بالصاج دقائق لا ساعات، والمتعة في التنقّل بين الحلو والمالح والدسم والمبهّر خلال لقماتٍ قليلة.
ما هو كله باتشه ولماذا يُؤكل عند الفجر؟
كله باتشه يسير على المنطق المعاكس تمامًا: نكهةٌ واحدة تُمسَك زمنًا طويلًا جدًّا. يُنظَّف رأس الخروف والأكارع باليد قبل الفجر، ثم يُطهى نحو أربع عشرة ساعة في قِدرٍ نحاسي مع البصل والكركم والثوم، وتُزال الرغوة كل ساعة حتى يصير المرق بلون الشاي الغامق. واللحم حلال كما يقتضي قانون الإمارات ومعاييره. والمذاق خفيفٌ شهيّ مُدفئ، وليس حارًّا بالفلفل أبدًا.
وقد صار طعامَ فجرٍ لأسبابٍ عملية: يُطهى طوال الليل، ويُكرِم الذبيحة كاملةً دون هدر، ويسند يوم عملٍ طويلًا في مدينةٍ باردة. في طهران يُؤكل باكرًا ويُؤخذ على محمل الجدّ، وقد انتقل الطقس نفسه إلى دبي مع العائلات التي نشأت عليه.
وعلى الطاولة تُتمّ الوعاء بنفسك: عصرة ليمون، ورشّة قرفة، وفصٌّ من مخلل الثوم المعتّق سبع سنوات، ثم خبز السنكك المقطّع لتغرف به المرق. أنت لا تبني كله باتشه لقمةً لقمة كما تبني الطبق الإماراتي؛ بل تضبطه على ذوقك ثم تستقرّ فيه.
كيف يقف الفطور الإماراتي وكله باتشه جنبًا إلى جنب؟
| الميزة | سفرة الفطور الإماراتية | كله باتشه |
|---|---|---|
| النكهة الأولى | حلوةٌ أولًا والمالح إلى جانبها | مالحةٌ من أول ملعقة إلى آخرها |
| زمن الطهي | دقائق على الصاج | نحو ١٤ ساعة في قِدرٍ نحاسي |
| الطبق الأيقونة | البلاليط: شعيرية بالزعفران تحت عجّة | مرقٌ بطيء بالمخّ واللسان والأكارع والخدّ |
| حكاية القوام | أطرافٌ مقرمشة وشعيرية حريرية وخبزٌ طري | لزجٌ طري يُغرف بالملعقة |
| الخبز | الرقاق والخمير والچباب | السنكك والسنكك الخاص |
| المشروب | شاي الكرك والقهوة العربية | الشاي الأسود والدوغ والليموناضة |
| درجة الحرارة | غير حارّ؛ بهاراتٌ دافئة | غير حارّ؛ دفء الكركم والثوم |
| شكل السفرة | أطباقٌ صغيرة كثيرة للتنقّل بينها | أطباق مشتركة لشخص أو اثنين أو ثلاثة أو ستة |
| أفضل ساعة | الشروق، وسحور رمضان | الفجر، والصباحات الباردة، والرابعة فجرًا في دبي |
لماذا تبدأ ثقافةٌ بالحلو وأخرى بالمالح؟
الجغرافيا هي التي كتبت القائمتين. على هذا الساحل كان الصباح يسخن باكرًا، والعمل صيدًا وغوصًا على اللؤلؤ وشمسًا طويلة، وكان التمر هو السكّر الذي يسافر دون أن يفسد؛ فطاقةٌ سريعة حلوة سهلة الحمل أمرٌ منطقيّ تمامًا. أما على الهضبة الإيرانية فالفجر باردٌ معظم العام، والبيت الذي ذبح شاةً عليه أن يكرم كل جزءٍ منها؛ فقِدرٌ يغلي طوال الليل ويردّ الحرارة والبروتين والجيلاتين أمرٌ منطقيّ بالقدر نفسه.
ويلتقي الاثنان في رمضان أيضًا. طبقٌ حلوٌ لطيف قبل الفجر، ووعاءٌ من المرق الدافئ، كلاهما جوابٌ كلاسيكي للسحور على السؤال ذاته: ما الذي سيحملني حتى المغرب؟
أين تتلاقى السفرتان في دبي أصلًا؟
أكثر ممّا يظنّ كثيرون. المهياوة أوضح مصافحة بينهما؛ فهذه الصلصة المخمّرة محبوبةٌ على ضفّتي الخليج، حملتها العائلات البندرية من الساحل الجنوبي لإيران، ومذاقها بيتٌ في الشارقة كما هو بيتٌ في بندر عباس. والثقافتان تسكبان الشاي لا قهوة المقاهي المزبّدة. وكلتاهما تعامل الخبز كأداة، سواء أكان طيّة رقاق أم طرف سنكك مقطوعًا. وكلتاهما ترى في فطورٍ يُؤكل وحيدًا شيئًا حزينًا قليلًا. وكلتاهما مرحّبٌ بها في أي ساعة داخل مدينةٍ لا تغلق أبوابها فعليًّا.
ماذا يطلب ضيفٌ إماراتي في أول زيارة لكله باتشه؟
ثلاث خطوات متدرّجة
ابدأ بـالمرق السادة مع سنكك طازج؛ مرقٌ وخبزٌ ودفء، لا شيء يحتاج إلى مفاوضة. ثم أضف خدّ الخروف (بناغوش): لحمٌ بطيء الطهي بحافّةٍ حلوة سيبدو كابن عمٍّ للحم في الهريس أو المجبوس. بعدها جرّب الأكارع (باتشه) لذلك القوام الحريري الشهير. أما المخّ (مغز) فيستحق أن تدّخره لزيارةٍ ثانية أو تتقاسمه مع الطاولة ليكون اكتشافًا مشتركًا لا تحدّيًا. والمزيج الخاص موجودٌ تحديدًا لمن يريد قليلًا من كل شيء.
تبّله على ذوقك واشرب قريب اللبن
الليمون أولًا، ثم القرفة، ثم الملح — إضافاتٌ صغيرة مع التذوّق في كل مرة. والطرشي المشكّل ومخلل الثوم المعتّق سبع سنوات يقطعان الدسم كما ينبغي للمخلل الجيد أن يفعل. واطلب الدوغ: مشروب اللبن الرائب المملّح ليس أرضًا غريبة على من نشأ على اللبن، ولا شيء يوازن وعاءً دسمًا أفضل منه. وإن فضّلت، فالشاي الأسود يؤدي المهمة بجمال. والأطباق تأتي بأحجامٍ لشخص أو اثنين أو ثلاثة أو ستة، فتأكل العائلة من وسط السفرة كما تحبّ الثقافتان. تصفّح كل شيء على صفحة القائمة والطلب، أو احجز طاولة لصباح عطلة نهاية الأسبوع.
وماذا يطلب محبُّ كله باتشه على سفرةٍ إماراتية؟
البلاليط بلا تردّد؛ فصدمة الحلو والمالح هي جوهر الحكاية، ويجدر أن تواجهها مباشرة. ثم الرقاق بالمهياوة، الذي سيبدو مألوفًا بشكلٍ مذهل لكل من له جذورٌ بندرية. بعده الچباب بدبس التمر، والخمير بالقشطة إن كانت السفرة كريمة، وكوب دنقو في طريق الخروج. واختم بالكرك. نحن في شون ذا شيب لا نقدّم هذه الأطباق — نتقن شيئًا واحدًا وعلى الطريقة الطهرانية — لكن أي جولةٍ طعامية صادقة في دبي ينبغي أن تضمّ الصباحين معًا.
هل الفطوران ثقيلان ومن ينبغي أن ينتبه؟
كلاهما دسمٌ بطريقته: أحدهما بالسكر والألبان، والآخر بالدهون والكولاجين والجيلاتين. وهذه أطعمة احتفالية تقليدية لا خططُ حميةٍ يومية، ولا شيء ممّا ورد هنا نصيحةٌ طبية. فإن كنت تتابع الكوليسترول أو حمض اليوريك أو سكّر الدم أو غيرها، فتحدّث مع طبيبك عن الحصة والتكرار. وإن كانت لديك حساسية أو عدم تحمّل لطعامٍ ما، فتواصل مع المطعم مباشرةً قبل الطلب لنجيبك عن أطباقٍ بعينها لا بكلامٍ عام.
أين آكل كله باتشه الطهراني في جميرا؟
شون ذا شيب في ٦٤ شارع جميرا، جميرا ١، دبي، مفتوح ٢٤ ساعة طوال أيام الأسبوع. نوصّل إلى كل دبي وتُحدَّد أجرة التوصيل حسب منطقتك عند إتمام الطلب، كما نوفّر الاستلام والتناول في المكان. تعال عند الشروق بعد أسبوعٍ من البلاليط، أو في الرابعة فجرًا حين لا يشفي غليلك سوى المرق — فالقِدر النحاسي يعمل منذ ما قبل أن تستيقظ.
هذه المقالة عن الطعام والتقاليد الطهوية، وليست نصيحة طبية.